د. حسن بن عبد الحميد بخاري
بعد ثلاثة أسابيع من الحرب المجنونة على مسلمي غزة الصامدين، وإن شئت فقل: على مستضعفيها من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلةً ولا يهتدون سبيلاً، تراكمت جثثهم لتتجاوز الألف وثلاثمائة، ونزفت دماء جرحاهم لتتجاوز الخمسة آلاف وثلاثمائة، وكلما مرّ يوم قيل: هو الأعنف منذ بدء الحرب!
حربٌ مجنونة قذرة استُعملت فيها كل آلات الحرب والدمار، التي تبيد الأخضر واليابس، وتفتك بالحجر والشجر قبل الإنسان، ويستوي في الاصطلاء بنارها الأحياء وموتى المقابر!
حربٌ ضروسٌ كالرّحى تطحن وتُبيد، حَجَراها: جيش بني صهيون العرمرم، بطائراته ودبّاباته، وقاصفاته ومجنزراته، وقنابله الحارقة والفوسفورية والمرتجّة!
وحَبُّها المطحون: بنو الإسلام في غزّة، الصامدون على الرغم من الخذلان، الثابتون على الرغم من البطش، الكِبار حقاً في زمن الذُّل والصَّغار!
حربٌ تبدّى فيها عُوار الكفر اللعين، وطفح فيها حقده الدفين، وقامت بها الحجة على المسلمين!
حربٌ مجنونة.. عمياء صلعاء شوهاء، يقودها أحفاد القردة والخنازير من اليهود، ويُمدهم في الغيّ أحلافهم عُبّاد الصليب من النصارى، ويشاركهم العالم أجمع بصمته وخذلانه!!
أسابيع ثلاثة من الحرب والقصف والحرق والدمار…
أسابيع ثلاثة من خزي حضارة الغرب الزائفة …
أسابيع ثلاثة من ذلّ أمتنا المستضعفة!
ولكنها كانت – بالمقابل - أسابيع ثلاثة من حماس الإسلام، وقوة ثباته، ورباطة جأشه، وعظيم مقاومته وصبره، وصدق جهاده وتوكله، لتلك الفئة القليلة والثلة المؤمنة في غزة الصامدة!
وكلما توالت الأيام، وتتابع القصف والقتل، وتزايَدَ البطش والعدوان، كلما زادت قوة عزائمهم، وتضاعَف عدد شهدائهم، وبلغت نفوسهم المنتهى في الإصرار والمضيّ في درب الجهاد، فإما النصر… وإما الاستشهاد!
إنها بحق دروسٌ بليغةٌ للأمة في المبادئ والثوابت وسنن الله في الكون، تلك التي تحملها مدرسة غزّة، ولم تزل في جهادها القويّ، وعزمها الأبيّ، مدرسةً شامخة الطود، راسخة البنيان.
علّمتنا غزّة: أن الأمّة على الرغم من نخر كيانها وتصدّع بنيانها وتغلغل ضعفها في مفاصل الجسد، إلاّ أنها حية بعدُ لم تمت! وأنه لم يزل بعدُ في الأمة من بقايا الإيمان الصادق ما يبعث فيها الحياة من جديد، ومهما بدا للناظر أن بنيان الأمة آيلٌ للسقوط، وأنها على حافة الهاوية التي ستكون مقبرتها للأبد، تعود فيها مواقف القوة والثبات والصدق في الاستمساك بعرى الدين، وجريان دمائه في عروق الأمة الخالدة بهذا الدين وبكتابه المبين!
وذلك مصداق وعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- القائل: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق، لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهُمْ كذلك، أخرجه مسلم عن ثوبان، وعند الحاكم من رواية عمر بلفظ: لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة.
وعند البيهقي وابن حبان بسند صحيح: لا تزال طائفة من أمتي منصورين، لا يضرهم من خذلهم حتى تقوم الساعة.
علمتنا غزّة: أن بقاء الأمة وعزّها بين الأمم مرتهن بإحياء شعيرة الجهاد في سبيل الله؛ فهو ذروة سنام الإسلام، فهل يُرتقى العزّ بسلالم الذلّ والهوان؟ وقد قال الله في كتابه: (الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً). [النساء:139].
وقد صرّحت أحاديث الطائفة المنصورة أنّ نصرَ الله لها إنما هو لرفعها راية الجهاد في سبيل الله، تكفّ به بغي البغاة وعدوان المعتدين، وتحفظ به عزّها وكرامتها بين العالمين. فقد أخرج مسلم عن عقبة بن عامر: لا تزال عصابة من أمتي يقاتلون على أمر الله، قاهرين لعدوهم، لا يضرهم من خالفهم، حتى تأتيهم الساعة وهُمْ كذلك، وفي حديث عمران بن حصين عند أحمد وأبي داود والحاكم بسند صحيح: حتى يقاتل آخرهم المسيح الدجال.
فالجهاد سنة ماضية، وشعيرة باقية، يقيّض الله له فئة من هذه الأمة التي لا ينطفئ فتيلها إلى يوم القيامة، وفي الأحاديث إشارة إلى أن نصر الله لا يزال مدداً لهم مهما خذلهم وخالفهم آخرون!!
علمتنا غزّة: أنه لن تنتهي بيننا لُغة: (لاَ طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنودِهِ)، حتى نرفع فينا شعار: (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ)!
ويوم بدر إذ هزئ المنافقون ب
المزيد